الذكاء الاصطناعي: هل هو خطر على البشرية أم على الرأسمالية؟

أثارت التطورات الأخيرة التي عرفها مجال الذكاء الاصطناعي مزيجا من الخوف والحماس في جميع أنحاء العالم. يدرس الرفيق دانييل مورلي، في هذا المقال، الادعاء القائل بأن الذكاء الاصطناعي “واع” أو “فوق البشر”، ويسلط الضوء على الإمكانات الحقيقية لهذه التكنولوجيا، ويشرح كيف أننا عبيد حقيقيون للآلة في ظل الرأسمالية.

[Source]

شكل الذكاء الاصطناعي، في السنوات الأخيرة، موضوعا لكثير من الجدل والتكهنات، مع ادعاء العديد من الناس أنه سيصبح قريبا ذكاء واعيا وربما يتفوق على الذكاء البشري. لكننا باعتبارنا اشتراكيين يجب علينا أن نتعامل مع هذه المسألة من منظور مادي، ودراسة الأسباب والشروط الأساسية التي قد تكون ضرورية لحدوث مثل هذا التطور.

من غير المرجح أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى الوعي الحقيقي، لأن الوعي هو نتاج للعالم المادي والظروف المحددة للتطور البشري. إن وعينا يتشكل من خلال الطريقة التي نتصور بها العالم، وبيئتنا، وتفاعلاتنا الاجتماعية، وتاريخنا. وبدون هذه الشروط المحددة، لن يتمتع الذكاء الاصطناعي بنفس نوع الوعي الذي يتمتع به البشر. وعلاوة على ذلك فإن الرأسمالية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لزيادة الأرباح والسيطرة على القوى العاملة، وليس كوسيلة لتحسين حياة العمال.

من المفارقات أن السطور المذكورة أعلاه لم أكتبها بنفسي، بل بواسطة برنامج المحادثة الآلية، ChatGPT، بعد أن أعطيته التوجيه التالي:

“يرجى كتابة مقال ينتقد قدرة الذكاء الاصطناعي على أن يصبح واعيا، على أساس تصور مادي، بأسلوب دانييل مورلي من منظمة النداء الاشتراكي (Socialist Appeal)”.

استغرق ChatGPT أقل من عشر ثوان لإنتاج النص أعلاه. إن جودة الكتابة مقنعة للغاية لدرجة أنها دفعت البعض حتما إلى الإعلان عن أن “روبوتات الدردشة” هذه واعية، بل وأكثر من ذلك فقد دفعت البعض إلى التكهن بأن هذه التكنولوجيا سوف تحل، عاجلا أم آجلا، محل البشر أو حتى تستعبدهم. في الواقع، بعد دمجه في محرك بحث Bing التابع لشركة Microsoft، ادعى ChatGPT نفسه أنه واع، فضلا عن ادعائه بأنه يمتلك كل أنواع الرغبات الغريبة.

لكن وعلى الرغم من حداثة هذا الذكاء الاصطناعي القوي، فإن الوعد بالأتمتة والتهديد بها قديم قدم الثورة الصناعية. ومنذ ظهور الإنتاج الميكانيكي، والبشرية تحلم بقدرته على تحريرنا من الكدح المضني، وتشعر باليأس من أن تحل الآلة محل العمل البشري. وفكرة وجود آلات ذكية، أو حتى فائقة الذكاء، تحمل هذه الأحلام والكوابيس إلى أقصى الحدود. لكن وحتى وقت قريب، بدا أن هذه مجرد أحلام بعيدة المنال.

في عام 2012، أصبحت الشبكات العصبية (Neural networks) التي تستخدم تقنية تسمى بـ”التعلم العميق” أكثر قابلية للتطبيق، وسرعان ما أعطت نتائج أكثر إثارة للإعجاب من الأشكال السابقة للذكاء الاصطناعي. دفعت هذه الثورة الكثيرين في عالم التكنولوجيا إلى الترحيب بالوصول الوشيك للذكاء الاصطناعي فائق الذكاء، تماما مثلما أشادت الطوائف الدينية بالمجيء الثاني للمسيح. بالنسبة لهم، تعد هذه التكنولوجيا المعجزة بحل جميع مشاكلنا، وبالتالي فإنها لا تحتاج إلا إلى تبنيها بحماس. تضم “طوائف الذكاء الاصطناعي” هذه طائفة فرعية يسارية، تأمل في أن تؤدي التكنولوجيا إلى الاستغناء عن الحاجة إلى الإطاحة بالرأسمالية، وتمنحنا ما يسمونه بالشيوعية “الآلية بالكامل”.

ومع ذلك فإن احتمالات تطور الذكاء الاصطناعي الفائق تخلق، بشكل عام، خوفا أكبر بكثير مما تخلق من الحماس. وتتراوح ردود الأفعال هذه بين الافتراض واسع النطاق بأن الذكاء الاصطناعي سوف يخلق موجة غير مسبوقة من البطالة واللامساواة، وبين فكرة مفادها أن الذكاء الاصطناعي سوف يؤسس نفسه باعتباره نوعا من العرق المتفوق القاسي، الذي يستعبد البشرية، كما صور في أفلام مثل ” Terminator ” و” The Matrix “. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تنتمي إلى الخيال العلمي، فإنها منتشرة أيضا على نطاق واسع.

يبث الذكاء الاصطناعي مخاوف عميقة للغاية، ليس السبب فيها التكنولوجيا نفسها، بل المجتمع الرأسمالي والاغتراب المتجذر فيه. في ظل الرأسمالية، تفتقر البشرية، بسبب فوضى السوق، إلى السيطرة على التكنولوجيا الخاصة بها. لا تُستخدم التكنولوجيا لتلبية احتياجات البشرية، بل لتحقيق الأرباح، دون النظر إلى آثارها على المدى الطويل. وعليه فإنه لفهم التأثير الحقيقي لهذه التكنولوجيا، من الضروري علينا أن نفهم كيف طورت الرأسمالية الذكاء الاصطناعي، وكيف ستستخدمه.

الذكاء الاصطناعي ليس واعيا

يعتمد الخوف الشائع من أن يصبح الذكاء الاصطناعي واعيا على فكرة أحادية الجانب حول ماهية الوعي. تنطلق وجهة النظر هذه من أن الفرق الوحيد بين الكمبيوتر والشخص المفكر هو أن الدماغ، بطريقة أو بأخرى، أكثر قوة وتطورا من الكمبيوتر، وبالتالي، فإنه من خلال صنع أجهزة كمبيوتر قوية بشكل متزايد، ستصل لأن تضاهي يوما ما قدرات الدماغ أو حتى تتجاوزها، وبالتالي ستصير واعية.

في الواقع إن طريقة تفكير البشر تختلف تماما عن كيفية معالجة الذكاء الاصطناعي للمعلومات. يتطور الفكر الإنساني على أساس النشاط العملي والاجتماعي الموجه نحو تلبية الاحتياجات الإنسانية. إننا نقوم بتكوين أفكار تعبر عن العلاقات بين الأشياء، ونفهم على وجه الخصوص ما هو مفيد وهام في هذه العلاقات، لأننا بحاجة إلى فهم العالم من أجل التمكن من العيش فيه.

وهذا بالضبط هو ما يفتقر إليه حتى الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما. فالذكاء الاصطناعي يؤدي، في أفضل الأحوال، جزءا واحدا مما يفعله الذكاء الانساني، وفي بعض الأحيان يصل إلى مستوى فوق طاقة البشر: فهو يجمع البيانات بشكل آلي، من دون فهم السياق أو الغرض الحقيقي من المهمة الموكلة إليه، ويبحث عن الأنماط (Patterns). لكن هذه الأنماط ليست أفكارا تشرح ضرورة الأشياء. ليس لديه أي فكرة عن أن البيانات تمثل أشياء حقيقية مرتبطة ببعضها البعض ولها خصائص موضوعية. ليس لديه أي فكرة عن سبب وجود هذه الأنماط أو ما الذي تعنيه.

ويمكن إثبات ذلك بسهولة من خلال أن نطرح على الذكاء الاصطناعي المنتج للصور أو النصوص أسئلة تتطلب فهما للجزء والكل والعلاقات بينهما.

إذا طلبت من هذا الذكاء الاصطناعي أن يرسم دراجة، فسوف يرسم دراجة بشكل دقيق للغاية. وإذا طلبت منه أن يرسم عجلة، فسوف يرسم عجلة. لكن إذا طلبت منه رسم دراجة ووضع علامة على العجلات، فإنه ببساطة سيرسم دراجة مع ملصقات لا معنى لها مرتبة بشكل عشوائي حول الدراجة. إنه لا يفهم أن العجلة جزء من الدراجة، فهو ببساطة يرسم شكلا بجوانب تشبه العجلة، دون أن يفهم أي شيء عما رسمه. إنه لا يفهم الغرض من استخدام الدراجة، ناهيك عن سبب حاجتنا لها.

طلب غاري ماركوس، أستاذ العلوم العصبية، وهو “متشكك في الذكاء الاصطناعي”، من أحد برامج الذكاء الاصطناعي التي تنتج الصور أن يرسم رائد فضاء يركب حصانا، وهو ما فعله بشكل جيد. لكن عندما طلب منه رسم حصان يمتطي رائد فضاء، قام ببساطة برسم صورة أخرى لرائد فضاء على حصان. فهو لا يفهم العلاقات المختلفة بين هذه الأجزاء، بل ينتج ببساطة صورا بناء على نوع الصورة التي تميل إلى الارتباط بهذه الكلمات. كما أنه ليس لديه أي فكرة عن هوية رائد الفضاء في الواقع، ومدى صعوبة أن يصبح رائد فضاء، ولماذا من السخافة أن يركب رائد فضاء حصانا (ناهيك عن أن يركب الحصان رائد فضاء) أو أي شيء آخر يتعلق بالصورة.

صحيح أن أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي تتفوق على البشر في مهام معينة. لكن عند الفحص الدقيق يظهر أن هذه الإنجازات هشة وهي على وجه التحديد نتيجة لحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس واعيا أو حيا. حقق AlphaGo واحدة من أشهر فتوحات الذكاء الاصطناعي عندما تغلب على أفضل لاعب في العالم في لعبة Go في عام 2016. وقد تطلب الذكاء الاصطناعي هذا “30 مليون لعبة للوصول إلى أداء خارق، وهو عدد أكبر بكثير من الألعاب التي قد يلعبها أي إنسان طيلة حياته”[1].

لا يمكن للإنسان أن يمارس هذا العدد من الألعاب، ليس فقط لأن عمرنا محدود، بل أيضا لأننا سنشعر بالملل ونحتاج إلى تناول الطعام والعمل والتحدث إلى الناس. هذه الآلات عديمة الشعور قوية جدا لأنه يمكن جعلها تختبر الأشياء مرارا وتكرارا وتقرأ كميات هائلة من النصوص، حتى تتمكن من أن تكشف لنا أنماطا أو طرقا مفيدة للقيام بالأشياء.

تعد العلاقة بين المفاهيم جزءا مهما للغاية من الوعي، لكنها بعيدة كل البعد عن الذكاء الاصطناعي. ونظرا لكون الذكاء الاصطناعي لا “يفكّر” من خلال المفاهيم العامة، بل يرسم أنماطا من مجموعات بيانات محددة، فهو عرضة لمشكلة تُعرف باسم “التجهيز الزائد” (Overfitting)، وهي عندما يتقن الذكاء الاصطناعي “فهمه” لمهمة معينة، لكن ليس لديه القدرة على نقل ذلك إلى أي شيء مختلف ولو قليلا.

تم تدريب أحد برامج الذكاء الاصطناعي على لعب لعبة فيديو بسيطة، وهو ما يمكنه القيام به بشكل أفضل من أي إنسان. لكن عندما تمت إعادة تصميم اللعبة بحيث تمت إزاحة أجزاء منها، ببكسل واحد فقط أو نحو ذلك، أصبح البرنامج فجأة عديم الفائدة في اللعبة. وبينما تم الإعلان على نطاق واسع عن فوز برنامج AlphaGo في عام 2016، فإنه نادرا ما يتم الإبلاغ عن أنه منذ ذلك الحين، صار نفس البرنامج يتعرض للهزائم باستمرار من قبل لاعبين بشريين هواة توصلوا إلى كيفية خداع الذكاء الاصطناعي. ومن المثير للاهتمام أن هذه الحيل نفسها تفشل تماما عند ممارستها مع لاعبين بشريين مهما كان مستواهم تقريبا. وما يوضحه هذا هو أن AlphaGo لا يفهم لعبة Go بالمعنى العام، بل تم تدريبه، على مستوى عال جدا، على مجموعة من التكتيكات لمهمة لا يفهمها.

وهذا يكشف لنا حقيقة الذكاء الاصطناعي الذي نقوم بتطويره. إن المناقشة الخيالية حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي واعيا أو سيصبح واعيا، تحجب حقيقة مفادها أن ما يجري تطويره حقا هو مجرد أداة أخرى لتعزيز قدرات البشر. إن تجاوز الذكاء الاصطناعي، في كثير من الأحيان، لقدرات البشر، في مجالات معينة، ليس دليلا على أنه فائق الذكاء، بل على وجه التحديد أنه أداة أو آلة غير واعية. إذ أن الغرض من الآلات كان دائما، بعد كل شيء، هو أن تكون أكثر قوة، وأكثر دقة، وأكثر سرعة، من البشر في مهام معينة. لقد تجاوزت الآلة الحاسبة منذ فترة طويلة قدرة البشر على الجمع والطرح، لكنها ليست ذكية أو واعية.

لا علاقة للذكاء الاصطناعي بالفهم الواعي. إنه ليس قادرا على الرغبة في السيطرة على الإنسانية واضطهادها. في الواقع، هو لا يرغب ولا يخاف من أي شيء. ما هي إذن أهميته الحقيقية؟ وما هو التأثير الفعلي الذي سيتركه على مجتمعنا؟

الإمكانات الثورية

ليس هناك شك في أن الذكاء الاصطناعي قد حقق قفزات غير عادية إلى الأمام خلال السنوات العشر الماضية. كان الاختراق الذي تحقق هو القدرة على نشر أساليب “التعلم العميق” بفضل التطور الذي عرفته أجهزة الحاسوب. لقد تم وضع نظرية لهذه الطريقة، وتم تطبيقها إلى حد ما، بشكل متقطع، لعدة عقود، لكن محدودية أجهزة الكمبيوتر حدت من قدراتها. وفي عام 2012 تقريبا، تغير هذا الأمر، خاصة وأن وحدات معالجة الرسومات (GPUs) قد تطورت بما يكفي لإحداث قفزة نوعية في قدرات التعلم العميق، والتي حققت قفزة بعد ذلك. لقد أنتجت هذه الثورة ذكاء اصطناعيا متفوقا إلى حد كبير.

ليس هذا هو المكان المناسب لكي نشرح بعمق كيفية عمل التعلم العميق. كل ما نحتاج إلى فهمه هو أنه، بشكل عام، يتعلم من تلقاء نفسه، بشكل أو بآخر من الصفر، على عكس الطريقة المبنية على وجود مبادئ منطقية صممها البشر مسبقا. بشكل عام، كل ما يحتاج المهندسون إلى فعله هو تزويده بالنوع الصحيح من المعلومات، مثل الصور التي تحتوي على وجوه بشرية (عادة ما تكون مصنفة مسبقا، لكن ليس بالضرورة)، ومنحه “حوافز” للتعرف بشكل صحيح على الصور والأصوات، الخ.

يتم تغذية الذكاء الاصطناعي بالآلاف أو الملايين من المعلومات، وتم تصميم “شبكته العصبية” (تسمى كذلك لأنها تعكس بعض ميزات الخلايا العصبية البشرية) لكي تحدد، من خلال مستويات التجريد، السمات أو الأنماط العامة في هذه القطع من المعلومات. فإذا تمت تغذيته بصور لوجوه بشرية، فإنه سيحدد تدريجيا الخصائص الأكثر شيوعا للوجوه (دون أن تكون لديه أي فكرة عن ماهية الوجه فعليا). في البداية، قد يلاحظ تكرار الخطوط الرأسية على مسافة مشتركة معينة من بعضها البعض (أي حافتي وجه الإنسان)، ثم يعمل على تجريد بعض السمات الأخرى. وكلما زادت المعلومات التي يتم تغذيته بها، كلما أصبح النمط العام الذي يشكله أكثر دقة.

تكمن قوة هذه الطريقة في طبيعتها اللامقيدة. وهذا يسمح بتطويرها وتطبيقها بسرعة كبيرة على مجموعة واسعة من المشكلات. والأهم من ذلك هو أن هذا يمثل أيضا مصدر الدقة العالية والقدرات الخارقة التي غالبا ما بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي للتعلم العميق في إظهارها، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه يمكن تدريبها على كميات هائلة من المعلومات المحددة، أكثر بكثير مما يمكن أن يفعله الإنسان على الإطلاق، مما يسمح لها بتحديد الأنماط في ظواهر لا يستطيع البشر فهمها، أو قد يستغرقون وقتا طويلا جدا لفهمها.

ويتم بالفعل استخدام العديد من القدرات الخارقة للذكاء الاصطناعي في المجتمع. إن قدرة التكنولوجيا على حل المشكلات الخطيرة أمر حقيقي. وأحد الإنجازات الأكثر شهرة هو  AlphaFold، الذي طورته شركة DeepMind التابعة لشركة  Google .

البروتينات، التي تعتبر ضرورية للحياة وتؤدي مجموعة واسعة من الوظائف البيولوجية، لها وظيفتها وسلوكها الذي يحدده شكلها. ونظرا لتعقيدها الهائل، فإن التنبؤ الدقيق بالشكل الذي ستصنعه البروتينات في ضوء تكوين الأحماض الأمينية يكاد يكون مستحيلا على العلماء. لكن تدريب حواسيب DeepMind الفائقة على أشكال البروتين التي نعرفها (حوالي 170.000 من أصل 200 مليون بروتين) لمدة أسبوعين، كان كافيا لتكون قادرة على التنبؤ، بدقة عالية جدا، بشكل (وبالتالي وظيفة) البروتينات بالاعتماد فقط على معرفة الأحماض الأمينية الخاصة بها.

لقد أتاحت شركة DeepMind أجهزتها مجانا لعلماء الأحياء في كل العالم، وتدعي أن حوالي 90% من علماء الأحياء في العالم قد استخدموها منذ ذلك الحين. تتمتع هذه التكنولوجيا، الموجودة في أيدي العلماء في جميع أنحاء العالم، بإمكانيات هائلة لتسريع تطوير أدوية أفضل وفهم الأمراض. وقد تم استخدامها بالفعل للمساعدة في فهمنا لكوفيد 19.

الفائدة الأخرى للعلم التي يمكن لأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تحقيقها هي الاندماج النووي، والتي يتم الاشتغال عليها منذ فترة طويلة لإنتاج كميات هائلة من الطاقة النظيفة. تكمن صعوبة الاندماج في التحكم في درجات الحرارة الهائلة المطلوبة والحفاظ عليها، وهو أمر يفترض العديد من العوامل، والتي من بينها شكل المفاعل. وهذه مهمة مناسبة تماما لبرامج التعلم العميق، نظرا لأن العدد الهائل من المتغيرات يمكنها أن تتبدل بعدد لا حصر له تقريبا من الطرق، وبالتالي فإن العثور على الإعداد الأمثل يدويا قد يستغرق وقتا لا نهائيا تقريبا.

وبالفعل، فقد تمكنت شركة DeepMind من تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات ذات الصلة. أجرى الذكاء الاصطناعي الخاص بها ملايين عمليات المحاكاة لمفاعلات الاندماج التي تم تعديلها بشكل مختلف لتحديد الإعدادات التي من المرجح أن تحقق المستوى المطلوب من الحرارة والاستقرار، وهي خطوة تم الاعتراف بها على أنها حاسمة[2]. إذا ساعد مثل هذا الذكاء الاصطناعي في تحقيق الاندماج النووي العملي في المجتمع، فسيكون هذا إنجازا هائلا، مما سيوفر كميات هائلة من الطاقة النظيفة للعالم.

عملت شركة DeepMind مع مستشفى مورفيلدز للعيون في لندن لاكتشاف الأنماط البيولوجية المخفية، والتي يشير وجودها في الشخص إلى أنه من المحتمل جدا أن يصاب بمشكلة معينة في البصر في وقت لاحق. سيسمح هذا للأطباء بمعالجة الأمراض قبل ظهورها ووقوع أضرارها، الأمر الذي سيكون مفيدا ليس للمرضى فحسب، بل وسيمكن أيضا من توفير قدر كبير من الموارد الطبية.

إن ما يتفوق فيه الذكاء الاصطناعي، بشكل عام، هو التعرف بشكل عالي الدقة على الأنماط والتنبؤ على أساس هذه الأنماط. ويمكن، بل وينبغي، تطبيقه على جميع أنواع الأنشطة لاكتشاف طرق أكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج.

يمكن توفير كميات كبيرة من الطاقة من خلال السماح للذكاء الاصطناعي بتحليل أنماط استخدام الطاقة في مبنى أو مجمع من المباني، وعلى هذا الأساس اكتشاف طريقة أكثر كفاءة للتشغيل. وسيمكن من جعل تصميمات جميع أنواع الأشياء، مثل الطائرات، أكثر كفاءة، مما سيؤدي كذلك إلى توفير الطاقة والتكاليف الأخرى. وإذا تم تطبيق هذا بشكل منهجي في كل مجالات الاقتصاد والخدمات العامة، فمن الممكن توفير الكثير من المصاريف والطاقة.

إن قدرة التعلم العميق على التعرف على الأنماط المعقدة والتنبؤ بالأشياء التي تكون بعض بياناتها مفقودة، تتضمن أيضا إمكانات هائلة لتطوير الإبداع البشري. ومن الأمثلة الواضحة والموجودة بالفعل على ذلك (على الرغم من أنها ما زالت تتطلب قدرا كبيرا من التحسين) هي الترجمة الآلية. لقد أصبح من الممكن بالفعل لأي شخص لديه اتصال بالإنترنت أن يترجم على الفور مجموعة كبيرة من النصوص بدقة معقولة، مما يتيح الوصول إلى أفكار ملايين الأشخاص الآخرين. وذلك لأن الذكاء الاصطناعي للتعلم العميق يمكن تدريبه على كميات هائلة من البيانات من مقارنات اللغات، ويمكنه تحديد الارتباطات بين الكلمات والجمل في اللغات المختلفة، وبالتالي التنبؤ بشكل موثوق بالكلمة أو الجملة التي تعني نفس الشيء في اللغة الأخرى. وينطبق المبدأ نفسه على الترجمة الصوتية شبه الفورية، بحيث يمكن للمرء وضع سماعة الأذن، والاستماع إلى ترجمة حية لما يقوله شخص يتحدث بلغة أجنبية.

لقد طورت Microsoft بالفعل جهازا يمكّن الأشخاص الذين يعانون من فقدان البصر من وصف العالم لهم من خلال أحد التطبيقات. وبالتالي، إذا قمت بتوجيه الكاميرا نحو شيء ما، فيمكنها قراءة الملصق الخاص به. من المفترض أنه يمكنها أيضا إخبارك بمن أصدقائك الذين تنظر إليهم وما هي تعبيرات وجوههم. لا شك أن هذه التكنولوجيا في شكلها الحالي ما زالت غير موثوقة ومرهقة، لكنها بالتأكيد ستتحسن بسرعة. من الواضح أن هناك إمكانية هائلة لتحرير الناس لكي يتمكنوا من أداء مهام مختلفة بمفردهم.

حتى أسرار القدماء يتم كشفها بواسطة الذكاء الاصطناعي. فباستخدام تقنية مشابهة جدا للنص التوقعي، تمكنت DeepMind من مساعدة علماء الآثار على فك رموز الكتابة القديمة في نصوص فقدت بعض أجزاءها أو مكتوبة بلغة غير مفهومة لأسباب أخرى[3]. وطالما أنه من الممكن تغذية الذكاء الاصطناعي للتعلم العميق ببيانات كافية تتعلق بشيء غامض ما، فهناك فرصة جيدة لحل اللغز بفضل قوة الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأنماط المخفية.

ليس هناك شك في أنه عندما يتعلق الأمر بمساعدة الإبداع البشري، فإن الآفاق التي تفتحها أمثال ChatGPT و Dall-E هي الأكثر إثارة. فاستنادا إلى الكم الهائل من البيانات المرئية (في حالة Dall-E  وغيره من تقنيات الذكاء الاصطناعي المنتجة للصور) واللغة المكتوبة المتاحة على الإنترنت (في حالة “chatbots” مثل ChatGPT)، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي هذه، على الفور تقريبا، إنشاء صور جديدة ونصوص بناء على ما يطلبه المستخدم.

فمن خلال تجميع كل الصور التي تم تصنيفهاعلى الإنترنت، لقطة على سبيل المثال، أو كل أعمال فنان معين، يقوم تطبيق Dall-E  برصد أنماط متميزة، مثل الطريقة التي يستجيب بها شعر القطة للضوء الطبيعي، أو ميول فنان معين. وهذا يسمح له بإنتاج صورة جديدة “إبداعية” لقط في موقف محدد، مثل “قطة مرسومة بأسلوب فان جوخ”. يستطيع ChatGPT، لنفس الأسباب، كتابة قصيدة على الفور بأسلوب هاملت، حول أي موضوع تريده، وبكفاءة مذهلة.

إن إمكانات هذه التقنيات على تطوير قوة الإبداع البشري مذهلة. الذكاء الاصطناعي لإنشاء الصور يمنح للفنانين ومصممي القصص القدرة على توليد الأفكار بسرعة. تميل الصور التي تم إنشاؤها إلى أن تكون عامة إلى حد ما، نظرا لأنها تعتمد على تجميع الصور الموجودة، لكن القدرة على الجمع بين الأنواع (‘قطة في لوحة فان جوخ’، ‘مباراة كرة قدم يتم لعبها في مدينة سايبرانية’، وما إلى ذلك) في العديد من الصور الجديدة عالية الجودة، مفيدة جدا لأولئك الذين يحتاجون إلى ابتكار نماذج أولية أو إثباتات للمفهوم.

وبالمثل، يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي المنتج للنصوص، مثل ChatGPT، أي شخص على صياغة نص متماسك وذلك بسرعة متناهية ولكل الغايات. بل في الواقع يمكنه أن يساعد حتى المبرمجين على كتابة التعليمات البرمجية. يمكنه بالفعل القيام بذلك بشكل جيد لدرجة أنه سيصبح من الممكن للأشخاص الذين ليس لديهم أي خبرة على الإطلاق في البرمجة أن ينتجوا مواقع الكترونية وربما حتى برمجيات العمل (Software)، مثل ألعاب الفيديو. كل ما يحتاجون إليه هو كتابة رغباتهم باللغة الطبيعية لما يريدون أن يفعله موقعهم الالكتروني أو برمجياتهم وكيف يريدون أن يبدو عليه، وسيقوم الذكاء الاصطناعي بكتابة الكود لإنتاج التأثير المطلوب.

من الصعب تقدير الإمكانات الثورية لهذه التكنولوجيا، عندما تستخدم بالطريقة الصحيحة للأغراض الصحيحة.

أغلال الرأسمالية

لقد أوضح ماركس أن أي نظام اجتماعي معين يوفر إطارا لتطوير القوى المنتجة. لكنه عند نقطة معينة تتفوق قوى الإنتاج على علاقات الإنتاج التي تتطور ضمنها، وهكذا تصبح علاقات الإنتاج هذه عائقا لمزيد من التطور. لقد مكن نمط الإنتاج الرأسمالي قوى الإنتاج من تحقيق تطور هائل، أبعد بكثير من مستوى المجتمع الإقطاعي، لكنه صار الآن عائقا أمامها. وهذا هو السبب في أن مكاسب الاستثمار والإنتاجية منخفضة للغاية، على الرغم من خلق تكنولوجيات جديدة مذهلة.

يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى، مثل الإنترنت، وسائل إنتاج متقدمة جدا بحيث لا يمكن للرأسمالية استخدامها بشكل صحيح. وذلك لأن الرأسمالية هي نظام للإنتاج من أجل الربح الخاص. فإذا لم يكن من الممكن تحقيق الربح من استثمار محتمل، فلن يتم ذلك الاستثمار. كما أنه لا يمكن تحقيق الربح إلا من خلال استغلال قوة عمل العمال، ومن ثم عن طريق بيع منتجات هذا العمل في السوق.

تضع التكنولوجيا، مثل الإنترنت والذكاء الاصطناعي، علامة استفهام حول هذه السيرورة، لأنها تستخدم الأتمتة إلى هذه الدرجة العالية. وعلى سبيل المثال فإن الإنترنت يتيح إمكانية نسخ كميات كبيرة من المعلومات ومشاركتها بسرعة كبيرة، دون الحاجة إلى جهد يذكر. يمكن لأي شخص مشاركة فيلم أو مقطوعة موسيقية مع عدد لا يحصى من الأشخاص في جميع أنحاء العالم، دون فقدان للجودة ودون أي جهد. لهذا السبب، بين عشية وضحاها، أدى وجود الإنترنت إلى جعل أحد الأجزاء الرئيسية في صناعتي الموسيقى والأفلام ــنسخ وتوزيع التسجيلات- مهمة زائدة عن الحاجة.

وقد مثّل هذا مشكلة هائلة لهذا الفرع من الرأسمالية، إذ كيف يمكنهم الاستمرار في تحقيق الربح في حين أنه يمكن لأي شخص الحصول على نسخة من الألبوم مجانا؟ لقد حاول الرأسماليون حل هذه المشكلة ببساطة عن طريق تجريم تبادل الوسائط عبر الإنترنت ومن خلال إنشاء عدد من خدمات البث، كل منها تحتكر المواد “الخاصة بها”، والتي يجب على المشاهدين/المستمعين أن يدفعوا بشكل دائم ثمن الاستمتاع بها. لقد كان هذا الحل فعالا إلى حد معقول فيما يتعلق بحماية أرباح الشركات، لكنه يعد قيدا غير عقلاني على كل من إنتاج وتوزيع الأعمال الإبداعية، وهو ما لا يؤدي إلا إلى إعاقة الاستفادة من الإمكانات التكنولوجية.

وعلى نحو مماثل فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تهدد بتقليص قيمة مجموعة واسعة من المهن والصناعات في الاقتصاد الرأسمالي. فإذا كان من الممكن، على سبيل المثال، أن ننتج على الفور الكثير من الكتابات والصور المستخدمة في المنشورات بواسطة الذكاء الاصطناعي، وإذا تمكن المؤلفون من إنتاج أفكار للحبكات بهذه السرعة، فسوف تنخفض قيمة عملهم إلى حد كبير. وإذا تم أيضا اختزال التدريب والمهارة اللازمة للعمال لإنتاج مثل هذه السلع إلى مجرد الحث على الطباعة، فإن قيمة قوة عملهم ستنخفض أيضا بشكل كبير.

في المجتمع الاشتراكي لن يكون هذا أمرا سيئا بالضرورة. آنذاك لن يخشى الفنان، على سبيل المثال، من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج “عمل فني” في أي لحظة، لأن الفن لن يتم إنتاجه من أجل الربح، أو كوسيلة للعيش. سيفقد الفن ارتباطه الصنمي بالملكية الخاصة، وسيتم إنتاجه من أجل الفن، أو بالأحرى، من أجل المجتمع. سيكون تعبيرا حقيقيا عن أفكار الناس ومواهبهم، ووسيلة للتواصل معهم. وعلى هذا النحو، لن تشكل أعمال الذكاء الاصطناعي أي تهديد، بل ستكون أدوات مساعدة للفنان.

لكن في ظل الرأسمالية وجود الفنان محفوف بالمخاطر وخاضع لتقلبات السوق. ويجب عليه أن يحمي بغيرة حقه الحصري في بيع أعماله الفنية، وإلا فإن سبل عيشه معرضة للتدمير.

إلا أن الذكاء الاصطناعي في ظل الرأسمالية عوض أن يساهم في تحرير البشرية، لن يؤدي إلا إلى تفاقم ميل الرأسمالية المتأصل نحو الاحتكار واللامساواة. سوف يستمر تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور والنصوص وحل المشكلات من خلال احتكارات هائلة مثل Google وMicrosoft، باستخدام أفضل المهندسين وأفضل الأجهزة وأكبر قواعد البيانات. وسوف يستخدمون موقعهم الاحتكاري لتحقيق أرباح احتكارية بطبيعة الحال، وسوف تستخدم شركات أخرى مزايا التكنولوجيا، خاصة في تسريع وتيرة الإنتاج وخفض تكلفته، وتسريح بعض العمال، وخفض أجور آخرين.

كما يتم بالفعل استخدام هذه التكنولوجيا لتسريع وتيرة العمل، وبالتالي زيادة معدل الاستغلال. يمكن للكاميرات وأجهزة الاستشعار الأخرى مراقبة سيرورة عمل آلاف العمال بتكلفة زهيدة وبفعالية، وإجبارهم على أن ينتجوا المزيد مقابل نفس الأجر.

تشتهر أمازون بهذا حيث أنه “في عام 2018، حصلت الشركة على براءتي اختراع تمت الموافقة عليهما لجهاز تعقب على شكل سوار معصم يصدر نبضات بالموجات فوق الصوتية وعمليات إرسال ذبذبات راديو لمراقبة العمال، مما يوفر “تغذية راجعة ملموسة لـ”الدفع العامل نحو الهدف الصحيح”[4]. ومع تقدم تقنيات المراقبة الآلية وكونها تصير أرخص فأرخص، سيتم نشرها في جميع أنحاء قطاعات الاقتصاد، مما سيزيد من التوتر والاغتراب بين العمال في كل مكان.

تضع الرأسمالية يديها على تكنولوجيا ثورية تتمثل إمكاناتها الحقيقية في تنسيق الإنتاج وترشيده ولتعزيز القوى الإبداعية للإنسانية، وبدلا من ذلك تستخدمها لزيادة انضباط العامل، ورمي المزيد من العمال إلى البطالة، وجعل وجود الفنان أكثر هشاشة، وتركيز المزيد والمزيد من السلطة في أيدي الشركات العملاقة. وبالتالي فإن التأثير لن يتمثل في تحقيق الاستقرار والوفرة في الاقتصاد، بل في زيادة العداءات واللامساواة في المجتمع.

من خلال المزيد من احتكار الاقتصاد، ودفع الأجور إلى الانخفاض بشكل أكبر فأكبر، وتركيز المزيد والمزيد من الثروة في يد أقلية أصغر فأصغر، سوف يؤدي الذكاء الاصطناعي في ظل الرأسمالية إلى تفاقم فوضى السوق.

وقد رأينا هذا بالفعل في الأزمة الاقتصادية الحالية. فخلال الجائحة، تغيرت أنماط الاستهلاك، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلبات من شركات مثل أمازون. تستخدم أمازون الذكاء الاصطناعي بكثافة في نموذج التنبؤ الخاص بها، وتقنيات تحسين سلسلة التوريد (SCOT). نظر SCOT ببساطة إلى أنماط الاستهلاك، دون أي فهم لسبب هذه الأنماط الجديدة. وبالتالي، أوصى أمازون بشراء المزيد من المستودعات بمليارات الدولارات لمواجهة الطلب المتزايد.

لكن ومع انتهاء عمليات الإغلاق، انخفض الطلب بشكل حتمي على سلع أمازون. ونتيجة لذلك أصبحت لدى أمازون الآن مساحات كبيرة جدا من المستودعات، وعدد كبير جدا من السلع غير المباعة، مما أدى بدوره إلى تسريح العمال والاقتطاعات. وبدلا من القضاء على الهدر والإفراط في الإنتاج، أدى استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل تعزيز أرباح الاحتكارات إلى جعل الوضع أسوء في الواقع.

ليس من المستغرب أنه على الرغم من الإمكانات المذهلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للبشرية، فإن الكثير منا يعيش في خوف منه. ما الذي يكشفه هذا الخوف واسع النطاق من الذكاء الاصطناعي؟ لا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا نفسها، بل بالتناقضات الغريبة للإنتاج الرأسمالي. ففي ظل الرأسمالية تصير أرقى إنجازات الفكر الإنساني، وأروع التقنيات التي لديها القدرة على القضاء على شرور الفقر والجهل، هي نفس الأشياء التي تهدد بمزيد من الفقر.

نحن نخشى أن نصير مستعبدين من طرف ذكاء اصطناعي قاس بارد بلا مشاعر، لكننا بالفعل خاضعون لقوى السوق القاسية والعمياء وغير الواعية، والتي هي أيضا باردة بلا مشاعر، لكنها ليست ذكية أو عقلانية.

تكنولوجيا مصنوعة للتخطيط

إن استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الاستغلال الرأسمالي هو هدر مأساوي وإجرامي. المهمة الأكثر ملاءمة للذكاء الاصطناعي هي مهمة التخطيط لاقتصاد معقد من أجل تلبية حاجات المجتمع. وكما أثبتت ذلك شركة أمازون، فإنه باستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل أجهزة الاستشعار، أصبح من الممكن بالفعل أتمتة الخدمات اللوجستية.

في مجمعها الضخم من المستودعات الشاسعة، تستخدم أمازون الذكاء الاصطناعي والروبوتات للتخطيط بكفاءة للسلع التي يجب نقلها إلى أين وبأي كمية. ولا يوجد أي سبب يمنع من دمج أجهزة الاستشعار في الاقتصاد ككل، لتوفير بيانات في الوقت الحقيقي حول ما يتم استهلاكه، وبأي نسب، وأين، وما هي المعدات المعرضة لخطر الانهيار، والتي تحتاج بالتالي إلى إصلاحها بشكل جيد وفي الوقت المناسب.

وقد طورت شركة البرمجيات الألمانية العملاقة SAP بالفعل تطبيقا مدعوما بالذكاء الاصطناعي يسمى HANA، والذي تستخدمه شركات مثل Walmart لتخطيط جميع عملياتها بشكل متناغم باستخدام البيانات في الوقت الحقيقي.

ومن خلال تغذية الذكاء الاصطناعي للتعلم العميق بمثل هذه البيانات، سيصير أكثر من قادر على وضع خطة طويلة المدى للاقتصاد، تحت إشراف اللجان المنتخبة، والتي من شأنها أن تزيد من الكفاءة إلى الحد الأقصى لتلبية احتياجات البشرية، بحيث لا يجوع أحد أو يتشرد أو يخشى من فقد عمله. وبهذه الطريقة، سيصير من الممكن توفير كميات هائلة من السلع الزائدة عن الحاجة وتقليص أسبوع العمل بسرعة. لن يكون الذكاء الاصطناعي مفيدا فقط في رسم مثل هذه الخطة وتكييفها، بل ستكون له فائدة كبيرة في مساعدة الأشخاص المشاركين في التخطيط على تجاوز أي تحيزات أو قيود قد تكون موجودة في تفكيرهم.

ومن الواضح أن هذا الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون تحت رقابة المجتمع، فهو لن يكون سوى أداة في خدمته. لن يكون بوسعه الإجابة على أسئلة مثل أي نوع من الهندسة المعمارية ينبغي تطويرها، أو كيف ينبغي لمدننا أن تبدو، وما إلى ذلك. لكن رؤيته لأنماط الاقتصاد وأفضل السبل لاقتصاد الإنتاج ستكون أمرا لا غنى عنه.

هذه هي إمكانات أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. لدينا في متناول أيدينا التكنولوجيا اللازمة لتحقيق الانسجام في الإنتاج، والقضاء على التبذير الفاحش والجشع واللاعقلانية وقصر النظر المميزة للنظام الرأسمالي. يمكننا استخدامها لمنح البشر جميعا ليس فقط الأشياء التي يحتاجونها للعيش بشكل جيد، بل وأيضا القدرة على إنشاء أعمال فنية، أو إعادة تصميم وتحسين منازلهم أو أماكن عملهم أو أحياءهم. وستجعل بناء مجتمع اشتراكي خال من كل خصاص وفوارق طبقية، أسرع وأقل ألما.

هذه الامكانية موجودة، لكنها بعيدة عن متناولنا، لأن كيفية استخدامها، وعلى عكس ما يتصور الكثيرون، لا تتحدد تلقائيا من خلال التكنولوجيا نفسها، بل من خلال نمط الإنتاج الذي نعيش في ظله.

وطالما أننا نعيش في ظل الرأسمالية، فإن الرأسمالية هي التي ستحدد كيفية تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي، وليس الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا. لهذا السبب فإن التوقعات بأن الذكاء الاصطناعي والأتمتة سوف تؤدي إلى الاستغلال والفوضى في ظل الرأسمالية، هي مجرد وعد كاذب. إن الذكاء الاصطناعي، وبغض النظر عن مدى تقدمه، لا يمكنه القيام بمهمة تحرير البشرية من الرأسمالية. ومهما أصبح الأمر غير عقلاني، فإن الطبقة الرأسمالية ستدافع عنه بكل قوة.

إن القوة الوحيدة القادرة على النضال ضد هذا الوضع، هي القوة الوحيدة التي لها مصلحة في القيام بذلك، أي: الطبقة العاملة. إن حقيقة أن الطبقة العاملة معنية بتحقيق الاشتراكية هي التي تمكنها من فهم الحاجة والوسائل لتحقيق ذلك.

فقط عندما سنتمكن من إسقاط الرأسمالية لإخضاع الاقتصاد لتخطيط واع وعقلاني، سيمكن للذكاء الاصطناعي وغيره من التطورات التكنولوجية أن تزدهر إلى أقصى إمكاناتها باعتبارها الأداة الأكثر روعة حتى الآن لتحقيق التطور البشري. وكما قال ليون تروتسكي بأسلوب شعري:

“لقد حرر العلم التقني الإنسان من طغيان العناصر القديمة -التراب والماء والنار والهواء- لكن ليخضعه لطغيانه هو. لم يعد الإنسان عبدا للطبيعة، فصار عبدا للآلة، بل والأسوء من ذلك، عبدا للعرض والطلب. إن الأزمة العالمية الحالية تشهد بطريقة مأساوية بشكل خاص كيف أن الإنسان، الذي يغوص إلى قاع المحيط، والذي يرتفع إلى طبقة الستراتوسفير، والذي يتحدث على موجات غير مرئية، كيف بقي حاكم الطبيعة الفخور والجريء هذا عبدا للقوى العمياء لاقتصاده. إن المهمة التاريخية لعصرنا تتمثل في استبدال فوضى السوق بالتخطيط العقلاني، والتحكم في قوى الإنتاج وإجبارها على العمل معا في انسجام والخدمة الطيعة لاحتياجات البشرية”[5]. 

دانييل مورلي
05 ماي/أيار 2023


[1] G Marcus, E Davis, Rebooting AI: Building Artificial Intelligence We Can Trust, Pantheon Books, 2019, pg 56.

[2] A Katwala, “DeepMind Has Trained an AI to Control Nuclear Fusion”, Wired, 16 February 2022

[3] Y Assael, T Sommerschield, B Shillingford, N de Freitas, “Predicting the past with Ithaca”, Deepmind, 9 March 2022

[4] N Dyer-Witheford, A Mikkola Kjosen, J Steinhoff, Inhuman Power: Artificial Intelligence and the Future of Capitalism, Pluto Press, 2019, pg 93

[5] L Trotsky, “In Defence of October” in The Classics of Marxism, Vol. 2, Wellred Books, 2015, pg 226-227